أحمد مصطفى المراغي

40

تفسير المراغي

معه من عظائم الأمور التي تؤدى إلى هلاكهم ، وإنما علم ذلك لدى علام الغيوب ، فهو الذي يدرى ما أراد بالتقاطهم إياه من الحكم البالغة ، والحجج القاطعة . وبعد أن أخبر سبحانه عن حال من لقيه موسى عليه السلام خبّر عن حال من فارقه بقوله : ( وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) أي إنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها شعاعا لما دهمها من الجزع والحزن وتوقع الهلاك الذي لا مندوحة منه جريا على عادته مع أنداده ولداته ، ولولا أن عصمناها وثبتنا قلبها لأعلنت أمرها ، وأظهرت أنه ابنها وقالت من شدة الوجد « وا ولداه » وقد فعلنا ذلك لتكون من المصدّقين بوعدنا : « إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ » . ثم أخبر عن فعلها في تعرف خبره بعد أن أخبر عن كتمها إياه بقوله : ( وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) أي وقالت لابنتها وكانت كبيرة تعى ما يقال لها : تتبّعى أثره ، وتسمّعى خبره ، فأبصرته عن بعد ، وهم لا يشعرون أنها تقصه ، وتتعرف حاله ، وأنها أخته . ثم شرع سبحانه يذكر أسباب رده إليها فقال : ( وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ ) أي ومنعنا موسى المراضع من أول أمره ، فقالت أخته حين رأت اهتمامهم برضاعه : أتحبون أن أرشدكم إلى أهل بيت يأخذونه ويتولون تربيته ويقومون بجميع شؤونه ولا يقصّرون في خدمته والعناية بأمره ؟ روى عن ابن عباس أنها لما قالت ذلك أخذوها وشكّوا في أمرها وقالوا لها : ما يدريك بنصحهم له وشفقتهم عليه ؟ فقالت هم يفعلون ذلك رغبة منهم في سرور الملك ورجاء عطائه ، وبذا خلصت من أذاهم ، وذهبوا معها إلى منزلهم ودخلوا به على أمه فأعطته ثديها فالتقمه ، ففرحوا بذلك فرحا شديدا وذهب البشير إلى امرأة الملك